الـرسم الكاريكاتوري قادني إلى الاعتقال و الاستنطاق.

bouhali70.jpg

 حاوره: محمد طيفور

اعتقل دون محاكمة ودون معرفة التهم الموجهة إليه، ذاق مرارة الاعتقال و وطأة الاستنطاق و قساوة التعذيب النفسي، ما أثر أنداك بشكل قوي على ظروفه النفسية و أحواله الأسرية، فكان طلاقه  للفن الساخر و معانقته للفنون التشكيلية، سيرة ذاتية حافلة بالمعاناة و الانجازات حاولنا النبش فيها في لقاء مع الفنان والكاريكاتوريست الشهير أواخر السبعينات و بداية الثمانينات الفنان حميد بوهالي (67 سنة) الذي اشتعل رأسه شيبا و لم يفقد من مرخله و خفة دمه شيئا.

الكاريكاتـور فن غيـر مألوف

في فتـرة الستينات كان الفنان المـرحـوم بوجمعـة لخضـر الرسام الوحيـد على الساحة التشكيليـة بمدينـة الصويـرة، وكان يعـرض لوحاتـه آنذاك بمـركـز الإرشادات السياحية وقد تأثـر به عـدد من الرسامين المحليين فمنهم من التحق بمدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء ومنهم من يواصل البحث عن أسلوبـه على ضوء أسلوب المـرحـوم لخضــر.

في تلك الفتـرة كنت تلميـذا بثانـويـة أكنسوس بالصويـرة و كانت التعاونية المدرسيـة تفتح المجال للمـوهـوبين، كانت الأنشطة متنـوعـة يشـرف عليها أساتـذة أجانب، وكنت وبعض الأصـدقاء نشارك في هـذه الأنشطـة و أسسنا أول مسـرح للكـراكيـز في الصويـرة، وكنت مع رفاقـي أقوم بإعـداد المجلة المدرسية أشـرف على الـرسوم و الإخـراج الفني و كانت هـذه المجلة تستنســخ بالآلة الناسخـة.


هـذه الأنشطـة ساعدتنـي كثيـرا على صقل مـوهبتـي و مـزاولـة هـوايتـي وفي سنـة 1963 أقمت معـرضا جماعيا في مـركـز الإرشادات السياحية بالصويـرة، و كانت أول تجربة لي في هـذا الميـدان. وفي سنة 1964 شاركت مع زملائي الفيلالي و كارديل نيلي و الميلودي وأقمنا معرضا في نادي الصويـرة حيث عـرضت بعض الرسوم الكاريكاتورية زيادة على عدد من اللوحات التشكيلية، وقد لقي هـذا المعرض نجاحا كبيرا لكـونه أتـى بالجـديد بالنسبة للتشكيل في الصويـرة.

 عـرضنا لأول مـرة لوحات تجريديـة لم تكن مألوفة لـدى الجمهـور الصويـري الذي كان آنـذاك يجهل هـذا النـوع من التعبيـر و كان جل الـزوار يضحكـون لا عـلى الرسوم الكاريكاتـوريـة فقـط بل حتـى على الرسوم التجـريـدية، كانوا ينتقـدون تلك الأشكال "الغريبـة" وتلك اللطخات و الأصباغ.

كنا نحاول إقناع الجمهـور بأن اللـوحـة لا تفسـر بلغـة الكلام و أن هـذه اللغة تعبيـر بصري تشكيلي، لكن الجمهـور في تلك الفتـرة كان قاسيا في حكمـه و انتقاداتـه لاذعا في حـواراتـه و آرائـه.

وفي أواخر الستينات كان لي شـرف المشاركـة في ثاني مـؤتـمـر للجمعيـة الوطنيـة للـرسامين المغاربـة في الدار البيضاء، وكنت عضـوا في اللجنـة المالية إلى جانب بعض الـزملاء كالعرب بلقاضـي و لمهادي، وكانت لي علـى هامش هـذا المـؤتمـر لقاءات مع عـدد من الفنانيـن المشاركين تناولت فن الكاريكاتـور ببـلادنا كما طـرحت عـلى المـؤتمـرين عـددا من الاقتراحات كإنشاء معرض للكاريكاتير بهـدف تقـريبـه من المواطنين.

الكاريكاتـور مهـزلة و مـزاح ؟

كانت جـريـدة "أخبار الـدنيا" للأستاذ مصطفـى العلـوي تباع في كل مكان حتـى في الحـوانيت في الصويـرة، ووقتها كنت مـولعا بهـذه الجريـدة و بالكاريكاتيـر، كنت اقتنـي المجلات والجـرائـد ب "الكيلو" مثل "لـوكنار"و "لوهيـرسـون" و "ماريـوس"، وكنت التهم كل الرسومات الكاريكاتـورية التي تظهـر على صفحات الجرائـد و المجلات المـذكورة، مــرة خطـر ببالي أن أراسل "أخبار الدنيا" فبعث للأستاذ مصطفى العلوي رسما كاريكاتـوريا فنشره، و كم كانت فرحتي كبيرة عندما أتيحت لي هـذه الفرصة لنشر أول كاريكاتـور لي فكانت البدايـة. و بعدما تـوقفت أخبار الدنيا راسلت عـدة جـرائــد و مجلات مغربية، و بعد مدة أصـدر الأستاذ مصطفى العلوي جريدة الكـواليس، وكنت أراسلها باستمـرار حتـى اختيـرت رساما لها وبعـد الكواليس راسلت "مغرب انفـورمسيـون" و "المحرر" و جــرائد أخـرى كانت تصـدر في تلك الحقبـة.

كانت الصحف في تلك الفترة لا تـولي اهتماما بالغا للكاريكاتور، و كنا نحن رسامي الكاريكاتيـر نتساءل عن أسباب هـذا التجاهل؟، فالرسم الكاريكاتوري أقرب لغة صحفية لجماهيـرالشعب العـريضة. وكان المشرفـون علـى هـذه الجرائـد يـرون في الكاريكاتور مهـزلة و مـزاح و ضياع للوقت معتبـرين جـرائدهـم جـرائـد جديـة لا مجال للهـزل عـلى صفحاتها، كانت الجـرائـد آنـذاك  و أقصـد دائما فتـرة الستينات تنشـر ب "التيبـو" وكان "اللينوتيـب" سيـد المـوقف، فالـرسم التي كانت تنشـر آنـذاك كانت تشـوه و تظهـر وسطها بقعا من اللطخات الميداديـة السـوداء بخلاف جـريـدة الكـواليس التي كانت تصـدر أسبوعيا فقـد كانت تطبع ب "الاوفسيت" و كانت الـرسوم تظهر على صفحات واضحة بلا أدنـى تشويه أو عيـوب.

bouhali10.jpg

اللغـة الــدارجــة المغـربيــــة

كنت دائمــا أحلم بإصــدار جـريـدة متخصصـة تعنـى بشـؤون الكاريكاتور، وقـد تحقق هـذا الحلم بعـــد معانـــات طوال. فأصدرت جـريـدة "التقشاب" وقبـل إصداري هــذه الجـريـدة كنت من بين المـؤسسيــن "لأخبار السوق" و التي كان يمـولها صديقـي محمـد الفيلالـــي و اسند لي مهمـة مديـرها العام و أشـرفت على إدارتها من أول إلـى آخـر عـدد، و قد كانت مبيعاتها تنافــس مبيعات الجـرائـد اليوميـة بل تفوقها أحيانا، وكان لي في أواخـر السبعينات شـرف إدخال اللهجـة المغربيـة الدارجـة ضمن أركان هـذه الـجـريـدة، ومازلت أتـذكـر أن جميـع مقالات العـدد الأول منها كانت بالدارجـة وكانت من إنتاجي و ابتكاري، وكانت "أخبار السوق" سباقـة إلى إدخال الدارجـة المتداولة وسط الطبقة الشعبيـة في جميع رسوماتها الكاريكاتوريـة. وقد لقيت تجربـة إدخال الدارجـة نجاحا كبيـرا إذ بعد إصدارنا لبعض الأعـداد بادرت مجمـوعـة من الجـرائـد الوطنيـة إلـى سلك نفس النهــج.

وعندما تـوقفت "أخبار السوق" قمت بإصـدار "التقشاب" وكنت أرغب في أن تكـون شبيهـة بجريـدة "لوكنار" الفرنسيـة فحـرصت على تناول مختلق المـواضيع بنـوع من النقد اللاذع، وكانت جـريـدة "واعـرة" فاكتسبت شعبيـة كبيـرة وأصبـح لها قـراء مـدمنون على اقتنائها و قـراءة تعاليقها، وشاءت الأقـدار أن تتـوقف نتيجـة لجـرأتها في التطرق لمختلف القضايا الاجتماعية.

اعتقال و استنطاقات

الكاريكاتور الذي تسبب في توقيف ""التقشاب" بصفة نهائية و اعتقالي و استنطاقي من طرف العميد ثابت    ( أعدم بتهمة اغتصاب عشرات النساء)، نشر سنة 1982 بتوقيع حمودة في الصفحة الأخيرة لجريدة "التقشاب"، و كان يظهر ثلاث مسئولين يركبون على ظهر مواطنين و يضعون أمامهم قصبة صيد الأسماك، في صنارتها وضعت "كوميرة" بدل طعم الصيد، كان نشر هذا الرسم الساخر في تلك الفترة التي كان فيها المغرب يعيش حالة استثناء بعد إضراب 1981، مغامرة ما كنت أعتقد أنها ستقودني إلى الاعتقال و الاستنطاق دون محاكمة و دون الحق في تنصيب الدفاع و لا حتى في معرفة التهم الموجهة إلي، لقد عانيت الكثير من هذا الحادث نفسيا و أسريا ومهنيا، و حتى المقربين من الأصدقاء نفروا مني بدعوى أني "مشاغب" برسوماتي و ما يصاحبها من تعاليق لاذعة في حق المسئولين أنداك.

مـدارس ليست للنسيـــان

إن "أخبار السوق"  و "التقشاب" وجميـع المجـلات و الكتب التي كنا نصـدرها آنـذاك سواء باللغـة العـربيـة أو الفـرنسيــة فتحت المجال لعدد من المـواهب الشابة، وكـونت جيلا من الرساميــن الكاريكاتـورييــن جلهم يشتغل حاليا في الصحافـة المكتـوبـة ببلادنا كالصديق العزيز الفنان الكاريكاتوريست حمـودة، وقد ساهـم هـذا الجيل بفعالية في تطويـر فن الكاريكاتور ببلادنا و من يـرى عكــس ذلك فليتصفـح جـرائدنا الوطنيـة اليوميــة و غيـرها ليقف علـى صـدق  رأينا و صـواب شهادتنا.

جمعيـة للفنــون التشكيليــة

لأسباب مهنيــة غادرت الـدار البيضاء و استقـررت في مدينـة الصويـرة مسقط رأسـي حيث اشتغلت قبل تقاعدي أستاذا للفنون التشكيليـة، و نتيجــة لاحتكاكي اليـومـي بأساتذة التشكيل العاملين بالصويـرة غمرتني فكـرة إنشاء جمعيـة محليـة تعنى بالفن التشكيلي، خصوصا و أن الصويـرة تزخـر بعدد لا يستهان بـه من الرسامين و النحاتيــن، وفعلا قمنا بتأسيس جمعية أطلقنا عليها اسم جمعية التلال للفنون التشكيليــة بالصويـرة، وانطلقنا في تنظيـم عـدد من المعارض و إقامة دورات تدريبية و ندوات ولقاءات لفائـدة منخـرطي الجمعيـة ، و فتحنا أبواب مقرها للفنانين المحليين لعرض منحوتاتهم و إبداعاتهم التشكيلية.

bouhali4.jpg


الصفحة مقروءة: 453 مرة


التعليقات