الكاريكاتوريست سعيد أمين الذي رحل وفي ريشته ما يستحق الانتباه

amine.jpg

 تحل الذكرى العاشرة لوفاته (يوليوز 2006- يوليوز 2016) ومازلت لا أصدق أن الكاريكاتوريست سعيد أمين قد رحل فعلا، وهو الذي ظل يحافظ على وجوده حين أبى إلا أن يظل حاضرا بيننا مثل رسوماته؟ هذا الطالع من تراب مدينة خنيفرة التي قاومت من أجل الحرية والديمقراطية، وكذلك من طفولة فاضت بحرائق السؤال منذ أن أخذ القلق يركض في دمه حيال كل شيء يستحق الانتباه ويلتصق بآلام وأنين البسطاء، ليفضي به نبشه في مواقفه إلى جعل ريشته وقلمه الأسود بمثابة شوكة عالقة في حلق المهووسين بمضاجعة خيرات البلد، والذين يرون كل مخالف ل “راحتهم” المريضة مجرد “مشاغب” تنبغي تربيته على طريقة طقوس زوار الفجر، ومن هنا يكون سعيد أمين مثله مثل تلك الكاتبة المشرقية التي تبحث بين صفحات الجرائد كل صباح عن اسمها بين الوفيات٠
ولما اختار سعيد أمين أن يكون صوتا لمن لا صوت له ومسائلا لكل ما هو سائد بكل قناعة، لم يكن يعبأ بالذين يصفونه ب “المجنون” و”راسو سخون”، والمؤكد أن اختمار مرارة تناقضات الأوضاع في أعماقه، فتح أمامه نفقا محفوفا بالمضايقات المباشرة وغير المباشرة عندما اختار المراهنة على ضمير الإنسان وإعطائه موقع الصدارة، وتحضرني هنا نهاية الفنان ناجي العلي الذي اغتالوه ذلك الصباح ولم يعثر المحققون بين دمائه المهدورة إلا على بضع رسومات كاريكاتورية كان في طريقه لنشرها عندما فاجأته رصاصة غادرة من مسدّس كاتم للصوت ليبقى “حنظلة” شاهدا حيا لا يموت٠
في ذلك اليوم الحزين ودعت سعيد أمين وهو على متن سيارة الإسعاف، وقد أحببت لحظتها ممازحته حين سألته “هل من كاريكاتور جديد؟”، فتطلع إلي مبتسما ليعود إلى غيبوبته كما لو كان يود ترك وصية يحضنا فيها على الاستمرار في مقاومة أشباه الإنسان، وكم كانت أنفاسنا متقطعة جراء تضارب نتائج التشخيصات الطبية التي خضع لها الفقيد أثناء فترة المرض الذي أقعده ببيت عائلته البسيطة، واستدعت نقله للمستشفى الإقليمي بخنيفرة الفقير لأدوات الفحص بالسكانير آنذاك، ومنه إلى مستشفى محمد الخامس بمكناس حيث أحيل على مستشفى مولاي يوسف، وبعدها تم نقله إلى قسم جراحة الدماغ بمستشفى الاختصاصات بمجموعة ابن سينا، حيث خضع لعملية جراحية كللت بالنجاح أول الأمر، إلا أن الأقدار أخذت منحى آخر.
وبعد خمسة أيام، بدت على الفقيد أعراض من الحمى والتقيؤ ليدخل في إغماءة طويلة نقل إثرها لقسم العناية المركزة من أجل إخضاعه لعملية جراحية ثانية، إلا أن الأطباء وقفوا على ما يثبت إصابته بداء المينانجيت الذي زادت لعنته لتنضاف للورم السرطاني الذي اكتشف تسلله لجسده ببطء شديد لم يفطن له الراحل نفسه حين أبى إلا أن يظل صامدا مستفزا للطابوهات، وواقفا كريشته الحرة، وإذا تساءلت الزميلة مرية مكريم يوما بين سطور “الأيام” الأسبوعية ” كيف لم يعثر قلم سعيد أمين على سرير بمستشفى الشيخ زايد أو المستشفى العسكري؟” فالأمر ببساطة شديدة أن أصحاب الحقيبة لا يقدرون حياة أي “مشاغب” يبحث عن الحقيقة
٠
والمؤكد أنه برحيل سعيد أمين عن الساحة الكاريكاتورية نكون قد فقدنا فنانا استثنائيا ظل وفيا لريشته إلى درجة أن خيل للكثيرين أنه سيوصي أسرته بأن تدفن معه ريشته وأقلامه وقنينة حبره، وهو الذي ظل يستمد إيحاءات رسوماته من باطن الأشياء والقضايا، ومراقبا حادا لكل ما يستحق التشخيص والتعليق والفضح، هذا “الأمين السعيد” الذي لم يترك في ممتلكاته غير أقلام وأوراق بيضاء وحبر أسود ودراجة هوائية سماوية اللون، فقط لأنه لم يقبل يوما أن يكون مرتزقا أو وصوليا أو “نكافة” تحت الطلب٠
ولم يكن سعيد أمين يرسم بدافع ديني أو حزبي مادام الإنسان في قناعته له وجود والوطن للجميع، ذلك حين اختار لسخريته النفاذة وخفة روحه أن يجهر بما نهمس به في مواجهة مظاهر الفساد وأكل المال الحرام والانحطاط العام والشطط في استعمال السلطة والصمت العربي، وفي خلع ورق التوت عن عورات أصحاب “الحقائب المنفوخة” و”الكروش السمينة” و”سماسرة السياسة” و”مصاصي دم الفقراء” و”شناقة البلد” و”تجار الانتخابات” و”لصوص المال العام” و”أعداء حرية التعبير” و”أغبياء الحروب “وغيرها من “المغامرات” التي جعلت سعيد أمين في مقدمة فناني الكاريكاتور لما كان يمتاز به من إلمام بالدقائق والتفاصيل٠
ومما لا شك فيه أن سعيد أمين لما يجالس شخصا يسحره بكلماته الممزوجة بالدعابة والجرأة والعبارات الساخرة، حتى وهو على فراش الموت مازح زميله العربي الصبان بقوله: “إنهم يودون إخضاعي لعملية جراحية بقصد نزع الكاريكاتور من دماغي”، ولما زاره زميله محمد النضراني وقال له: “نحن لازلنا في أمس الحاجة إليك”، أجابه سعيد أمين بدعابته المعهودة “ترى هل سيرتاح مني الجنرال العنيكري هذه المرة؟”، ومن الواضح أنها نفس اللحظات الخاطفة التي عاشها قبل رحيله مع زائريه من حقوقيين وصحافيين وكاريكاتوريين، كما يصعب هنا ذكر كل “جنود الخفاء” وبينهم الأطباء الذين تجندوا لمقاومة موته دونما جدوى، وكان له الحظ الكبير في حب الناس حتى وهو محمول على الأكتاف باتجاه مثواه الأخير بمقبرة خنيفرة، في موكب جنائزي رهيب، بينما تكفل الأمير هشام بتسديد بعض المصاريف الاستشفائية، غير أن الموت كان الأسرع إلى السفر بالراحل إلى ما وراء الحياة٠
أعترف بعجزي عن إيجاد صيغة مناسبة لمرارة وداع لا يطاق لكائن ظلت علاقته مع الورق والحبر سيامية جدا منذ أن كان يافعا يساعد والده (الحمدوني) في التجارة بدكان يقع ب “زنقة وهران” الشهيرة بخنيفرة، حيث ترعرع في كنف هذا الوالد المعروف بتعاليقه الساخرة وبمتابعته الدقيقة لكل الأخبار الوطنية والدولية، وهنا شب على الخربشات واستهلاك مغامرات” زومبلا” و”كيوي” و”روديو” المصورة، واختارته الأقدار للتدرب على فنون اختراق الخطوط الحمراء إلى أن بدت رسوماته تشتعل كجمرة في ليلة عاصفة، فجاء اسمه في مقدمة المشاركين في المهرجان الوطني الأول للكاريكاتور الذي نظمه المكتب الوطني للشبيبة الاتحادية بمراكش إبان أوائل التسعينات، وحصل على الجائزة الأولى٠
وقد عرفته جامعة المولى إسماعيل بمكناس طالبا بمدرجاتها لمدة سنتين انتقل بعدها لمدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء، ليتفرغ للعمل الجمعوي، حيث ترأس جمعية لفن العرائس والكراكيز، من تم تحمل العضوية بمجلس دار الشباب أم الربيع بخنيفرة، وبجمعية وشمة للفن التشكيلي، ولم تخطئ تنبؤاتي حين قمت منتصف التسعينات بتقديمه لقراء جريدة “الاتحاد الاشتراكي” في بورتريه ونماذج من رسوماته ووصفته وقتها ب “الزهرة التي تنبت في الصخر وتنقصها بعض أشعة الشمس”، وخلالها ساهم برسوماته في “ملحق الطفولة” الذي كانت تصدره هذه الجريدة٠
ولعل الفنان العربي الصبان لم يخذله حدسه المعتاد، عندما اختار الراحل في صيف ما ضيفا على زاويته بالصفحة الأخيرة لجريدة “العلم”، ثم فاعلا بجريدته الساخرة “المقلاع”، وبعده رشيد نيني الذي عمل، عام 1996، على نشر رسوماته بجريدة “أوال” ولم يكتب لهذه الجريدة الاستمرار، قبل أن يشد الرحال لعاصمة البلاد حيث التحق بطاقم أسبوعية “دومان” بطبعتيها العربية والفرنسية، وعندما توقفت هذه عن الصدور تحول بريشته إلى صفحات “لوجورنال” و”الجريدة الأخرى” و”النهار المغربية”(…)، وقد سبق لأسبوعية “البيضاوي” أن نشرت نماذج من رسوماته على صفحة كاملة، ولا يزال العديد من زملائه يذكرون حضوره في ندوة “الكاريكاتور فن أم حرفة؟” التي نظمت في سطات حيث كان الراحل الأكثر تحدثا وعطاء ودعابة، وكل حديث عن وفائه لأصدقائه يحيلنا على وقوفه إلى جانب زميله الصحافي علي لمرابط في محنته عندما كان هذا الأخير موضع المحاكمة الشهيرة٠
وشارك الراحل في عدة ملتقيات ومعارض وحملات لا تقل عن حملة لفرع منظمة العفو الدولية بالمغرب حول مناهضة العنف ضد المرأة، وسعى رفقة مجموعة من زملائه إلى تشكيل جمعية لفناني الكاريكاتور بالمغرب، والتفكير في مشروع إصدار جريدة خاصة بهذا الفن اللاذع، ولم تخل مسيرة سعيد أمين من شهادات تقديرية تسلمها من جمعيات ومنتديات مختلفة، وقد حصل على جائزة من وكالة شراع، ثم على الرتبة الثالثة في مسابقة فنية نظمت بمهرجان عالمي ببلغراد، ولأنه لم يكن يحتكر موهبته الفنية فقد تطوع للمشاركة في رسم الكثير من الجداريات بفضاءات مدينته٠
وأذكر اليوم الذي طلب مني فيه الكاتب والصحفي الراحل المهدي الودغيري أن أخط له باليد ديوانه “عسالة” فكرت في أن أشارك سعيد أمين لرسم بعض صفحات الديوان ولم يرفض، وبعده حمل ديوان “الكلام النهائي” لمؤلفته فاطمة الزهراء أمسكين بعضا من رسوماته، ولأنه كذلك ظل هذا العنيد ملتزما برسالة شرفاء الكاريكاتور من أمثال ازواوي، بلانتو، حمودة، الصبان، كحيل، العلي، بهجوري، فرزات، حبيب وغيرهم، ولم يكن سعيد أمين فنان كاريكاتور فحسب، بل فنانا تشكيليا أيضا، ومما لا شك فيه أن معارفه وقفوا بكثير من الإعجاب أمام لوحاته، وانطلاقا منها عرف كيف يجاهر بتأثره وبحبه الجنوني للفنانين العظماء من أمثال فان جوخ، مورلياني، بيكاسو، أنجلو، جيوفاني، دالي، رافاييل، رامبرانت، ودي فنتشي وغيرهم٠
وكما قدمته للقراء، خلال منتصف التسعينات، فنانا سيزيفيا صارع بقوة من أجل البقاء، لم أكن أنتظر أن أقدمه لهؤلاء القراء، في السنة السادسة بعد الألفين، وهو يصارع الموت، وفعلا رحل عنا سعيد أمين في صمت، يوم 12 يوليوز 2006، أي قبل احتفاله في اليوم العاشر من غشت بعيد ميلاده الثالث والثلاثين، ولولا مشيئة الله لقلنا إنه مات قبل الأوان، بل قبل أن يعطينا بعضا من إبداعاته الفنية حول ما يجري اللحظة تحت سماء البلاد والعالم، ولعله كان واحدا من الذين إذا توقفت قلوبهم لا يعني بالضرورة أنهم ماتوا، وكل من راجع رسومات سعيد أمين، بعد كل السنين التي مرت على فقدانه، سيدرك دون تردد إلى أي مدى كانت وفاته المبكرة خسارة الصحافة٠

 أحمد بيضي


الصفحة مقروءة: 398 مرة


التعليقات