بعد فوزي بجائزة ، منحتني الشرق الأوسط فرصة لإثبات قدراتي الفنية

chokri.jpg

تحمست لخوض مغامرة المنافسة في المسابقة الدولية التي أعلنت عنها "الشرق الأوسط " سنة 1988 إلى جانب رسامين مرموقين أمثال الفنان الليبي الزواوي و غيره ٠٠ و عندما أعلنت الجريدة على النتائج غمرتني دهشة ممزوجة بفرح الفوز الذي اعتبرته انتقاما لبعض الصحف الوطنية التي تجاهلت أعمالي ..! بعد فوزي بجائزة المسابقة، منحتني الشرق الأوسط فرصة لإثبات قدراتي الفنية على صفحاتها، و أشادت بأعمالي التي كانت تخصص لها حيزا مهما بالصحيفة . . آنذاك كانت منطقة الشرق الأوسط تطبخ فوق نار هادئة تمهيدا لحرب الخليج الثانية ! و لم تكن لدي القناعة لأتبع الخط التحريري الذي كانت تنهجه الجريدة ، كنت أحاول أن أكون محايدا في المواضيع السياسية التي كنت أعالجها كاريكاتور يا ٠٠ ! التحقت وقتئذ بجريدة "الخضراء " التي كان يرأس تحريرها الأستاذ أحمد إفزارن و يديرها ذ.عبد الحق بخات . . و (لكي لا يلبس الأمر على البعض وجب التوضيح بأن " الخضراء " تأسست قبل " الخضراء الأصيلة " و " الخضراء الجديدة "! هذه الأخيرة أسسها ذ٠ أحمد إفزارن بعد استقالته من " الخضراء " الأم٠٠ و ذاك موضوع آخر ) ٠ و التزمت كمحترف بالخضراء التي كان الإعلامي خالد مشبال هو "الدينامو" لإنجاحها ٠٠ و لأنني كنت أزوره كل أسبوع بمكتبه بإذاعة طنجة ربطت علاقات طيبة مع بعض العاملين بالإذاعة، من إذاعيين و إعلاميين و الذين استضافوني في برامجهم و أجروا معي حوارات حول الكاريكاتير و مسيرتي الفنية٠٠ ( زهور الغزاوي، أحمد فاسي، عبد العزيز جدير، المرحوم عبد السلام المرابط و عبد اللطيف بنيحيى٠٠ الخ ) ٠٠ و على ذكر الشاعر و الإعلامي عبد اللطيف بنيحيى الذي استضافني عدة مرات، أذكر أنه قدمني في إحدى برامجه الليلية كضيف لحلقته المباشرة "على الهامش " إلى جانب الصحفية أم كلثوم الجزولي و المرحوم محمد شكري الذي كان يدخن بشراهة داخل الاستوديو و يتمايل ثملا، مما جعل بنيحيى يخرجه و يصد وراءه باب الاستوديو مستغنيا عنه! هذه واحدة من "الطرائف " المحرجة التي كان المرحوم شكري يجنيها لنفسه بسبب الإفراط في الشراب ٠٠ ! كانت لدي عدة لقاءات طريفة معه رحمه الله٠٠ و ذات لقاء قدمت له بورتريها منتقدا " خبزه الحافي "، فثار في وجهي قائلاً : " شنو بغيتيني نكتب على النجوم و القمر؟ !" ٠٠ و عندما مدحت ما كان يلقيه عبر برنامج " شكري يتحدث " الذي كان يبث على أمواج إذاعة البحر الأبيض المتوسط ميدي 1، قال:" إن المقالات لكتاب غربيين اكتفيت بترجمتها و إلقائها بصوتي لتأمين ثمن المشروبات التي أستهلكها بالحانات

كنت شغوفا بتتبع الأحداث الساخنة من خلال الصحف والمجلات العربية

mrini01.jpg

في فترة ما كان عدد الرسامين محدوداً  ٠٠ و قد ظهر عدد من الرسامين استطاعوا أن يظفروا بمساحات في الصحف التي تفرضهم على القراء، و يمكن أن نعد الكثير من تلك الرسوم على أنها لم تكن كاريكاتورية، و إنما استخدمت كمادة فنية تضاف للموضوعات الصحفية و بعض الفكاهات  ٠٠
و لأن الكاريكاتير طريق إلى الشهرة السريعة فقد انخرط فيه كثير من المغامرين الذين لا يملكون من المواهب قدر ما يملكون من اللجاجة و الإلحاح!  هذا مع بعض الاستثناءات٠٠ !
و نحن مدينون بالامتنان و التقدير لرواد الكاريكاتير ببلدنا من أمثال : المهادي، الصبان و المرحوم حمودة٠٠
كنت حينها أمارس نشاطي الفني باحتشام، أرسم المآثر السياحية و معالم المدينة القديمة و بعض الشخصيات ذوي الملامح المتميزة بالأزياء التقليدية التي كانت تلقى إقبالا لدى البازارات٠٠
كانت المشاكل كثيرة، و لكنها لم تكن تؤخذ بالصورة الدرامية التي تؤخذ بها اليوم، كان المرح هو الطابع الغالب على الحياة  ٠٠ و الحياة كانت أهون و أيسر، رغم أن المداخيل و الأجور كانت قليلة جدا، و لكن مطالب الحياة أيضا كانت متواضعة  ٠٠
و الظاهر أن سخطي على الحظوظ هو الدافع القوي إلى السخرية المريرة في ذلك اللون الكاريكاتوري الذي طغى على جل رسوماتي  .. و قد كنت أسوق الصور المفجعة لمظاهر الفقر و الحرمان في إطار من الفكاهة و التهكم  ٠٠
تأثرت كثيرا بأعمال الشهيد ناجي العلي  ٠٠ و بالصدفة عثرت على أعداد جيدة من مجلة "روز اليوسف " و التي من خلالها تعرفت على أعمال كبار الكاريكاتوريين المصريين٠٠ فاجتهدت لبصم أسلوبي الخاص، و ساعدني في ذلك العديد من المشجعين الذين اقترحوا علي البحث عن منابر لنشر رسوماتي  ٠٠
تحمست للفكرة  . . لكن بعض الجرائد الوطنية تجاهلت مراسلاتي و لم تعرها أي اهتمام  !
وقتها كنت شغوفا بتتبع الأحداث الساخنة من خلال الصحف والمجلات العربية التي أستطيع الوصول إليها، و أكثر المطبوعات التي أثارت اهتمامي تلك التي كانت تطبع في لندن و توزع دوليا  .، و من بينها جريدة "الشرق الأوسط " التي تميزت بمقالات كتابها الكبار و رسامها العبقري محمود كحيل و زميله جورج كريان الذين تأثرت بأسلوبهما الذكي  ٠٠ و كنت حينها حريصا على اقتناء كل عدد قبل نفاذ النسخ التي كانت تصلنا من لندن بعد يوم من طبعها، و ذلك  قبل أن يتمكنوا من طبعها بالدارالبيضاء عبر الأقمار الصناعية و يتم توزيعها بانتظام  ٠٠
استطاعت "الشرق الأوسط " أن تنافس الجرائد الوطنية بجرأة، حيث استخدمت مراسليها لاقتناص الأحداث الوطنية و فتحت المجال للكتاب و المبدعين فوق صفحاتها، مما حفزني على مراسلتها، ليفاجئني رئيس تحريرها "عثمان العمير" برسالة ترحيبية و بنشر رسوماتي الكاريكاتورية التي كنت أبعثها باسمه عن طريق البريد المضمون  ٠٠
تلك كانت بداية لمسيرة موفقة٠٠
و اعتكفت منذ ذلك في مرسمي المتواضع!

mrini20.jpg

mrini30.jpg

عاطفياً كانت جريدة  الخضراء تغرد خارج السرب

mrinigend.jpg

في بداية التسعينيات كانت " الخضراء " جريدة وازنة بمقالات كتابها الكبار و موادها الدسمة التي تثير النخبة المثقفة و تشفي غليل القارئ العادي  ٠٠ حيث كان يتطوع في إثراء موادها الأسبوعية إعلاميون مرموقون من أمثال  :(فاطمة أقروط، طالع السعود الأطلسي، أمينة السوسي و غيرهم كثير، إلى جانب معلم الأجيال المرحوم أحمد بوكماخ و المفكر المغربي الدكتور المهدي المنجرة  ٠٠) ، ناهيك عن كتابات أحمد إفزارن الجريئة و حالة شرود التي ينتقد فيها خالد مشبال الأوضاع الاجتماعية و السياسية في الصفحة الأخيرة إلى جانب الكاريكاتير  ٠٠
في تلك الفترة كان وزير الدفاع الأمريكي وليام كوهين يجول لإقناع المزيد من الدول للتكالب مع أمريكا على بغداد  . .
و تتزايد الحشود العسكرية بمياه الخليج مرجحة الخيار العسكري لإذلال صدام حسين الذي تجرأ على توجيه صواريخه نحو تل ابيب  ٠ ٠
عاطفياً كانت جريدة  الخضراء تغرد خارج السرب!  و كنا نلعن من خلالها أمريكا و حلفائها الذين تجاوزوا اﻷربعين  .. و في عددها اﻷربعين نشرت على صفحتها اﻷخيرة رسما كاريكاتوريا لبوش اﻷب و هو يجر العالم على هيأة حمار محملا ببراميل النفط محاولا نقله من قارة إلى قارة  ٠٠
خلال تلك الفترة اتصل بي أحد العاملين في المطبعة (الذي كان مخبرا للمخزن ) ليبلغني أنني مطلوب لأمثل لدى مكتب الدرك الملكي لأمر يهمني صبيحة اليوم الموالي! و عندما ذكرته بأن الموعد سيكون اﻷحد نبهني بأن رجال الدرك يشتغلون 24 على 24  ٠ !
بعدما توجهت إلى مركز الدرك استقبلني إثنان من الرجال بالزي النظامي، لم أتمكن من معرفة رتبهم، و ثالثهم كان يرتدي بدلة رياضة باللون البرتقالي  . . عرفت فيما بعد أنه رئيسهم  ٠٠
لم يوجهوا إلي أي تهمة رغم أنهم كانوا يستفزونني  ٠٠ في البداية وضعوا قلم رصاص و ورقة بيضاء فوق منضدة المكتب الذي أجلسوني بجواره و طلبوا مني بصيغة الأمر أن أرسم أحدهم  ٠٠ لم أكن متحمسا لأقوم بذلك، و تحت الضغط لبيت طلبهم. و عندما انتهيت أخذوا الرسم و ساروا يقهقهون في اتجاه مكتب آخر٠٠
تركوني لوحدي داخل المكتب لمدة طويلة، و ساد صمت غريب! ثم أقبل دركي آخر -لم يكن معهم من قبل - و أشار علي بالجلوس على كرسي مستطيل خارج المكتب ببهو المركز  ٠٠
كنت متوترا لأنني لم أكن أدري لماذا أوجد هنا  ٠٠ فانتصبت واقفا و أشعلت سيجارة  ، و صرت أجوب الممر جيئة و ذهابا إلى أن أقبل علي صاحب البذلة الرياضية و طلب مني أن أعود إلى مكاني و أستريح ريثما يعود بعد الظهر  ٠٠ فاستغربت للأمر و سألته عما يريدون مني، و رجوته أن يدعني أخرج لتناول الغذاء و أعود بعدها، لكنه قال لي مطمئنا :-"إنك غير متهم، انتظرني سوف أعود بعد حين٠٠ "
بعد ساعتين عصيبتين عاد ليصطحبني إلى مكتبه حيث أشهر في وجهي نسخة من الجريدة التي تحمل الرسم الكاريكاتوري  (الرئيس الأمريكي يجر العالم على هيئة حمار محملا ببرميلي نفط) ٠٠ ! و انتفض من مكانه معاتبا إياي بتهكم : "أنت صاحب هذا الرسم.؟! ماذا تعني به؟ "٠٠ ثم استطرد بغضب جام : "رديتي العالم كامل بعلمائه و أسياده و بملوكه حمارا؟ ! "، و كان يردد قوله مركزا على "ملوكه"
لم أرد عليه مما جعله يخرج و يدخل و يكرر مقولته ٠٠ و لم أرد عليه ٠
تركي شاردا لوحدي إلى حدود السادسة مساء حيث سمح لي بالمغادرة متوعدا إياي بكوني سأظل مراقبا و بأن باستطاعته أن " يجبد لي وذني

khadae.jpg

إذاعة طنجة ولقاء الإعلامي الكبير خالد مشبال

mriniiii.jpg

بداية التسعينيات كنت أزور إذاعة طنجة للقاء الإعلامي الكبير خالد مشبال بمكتبه، حيث كان يتفرع للقائي ما بين الرابعة و الخامسة مساء كل إثنين لمناقشة بعض المواضيع التي كانت تنشر بأسبوعية "الخضراء". . و كان يقترح علي بعض الأفكار التي كنت أوظفها في رسوماتي التي تنشر بالجريدة التي ترأس تحريرها الأستاذ أحمد إفزارن مباشرة بعد طرده التعسفي من إذاعة "ميدي 1" بسبب مواقفه الوطنية التي لوح بها في وجه المدير الفرنسي " كازلتا ". . أسبوعية " الخضراء " التي أسسها الثلاثي بخات و مشبال و إفزارن إبان غزو العراق للكويت، و تطبع بالمطابع الدولية و المغربية بطنجة، كانت تنافس كبريات الصحف بمواضيعها الإخبارية و السياسية و التحليلية التي تكتب بأقلام صحافيين و كتاب كبار. . و كان الإقبال عليها رائجا باهتمام بالغ. . و صداها تخطى حدود الجهوية .. و ما كان يميزها عن بعض المطبوعات المنافسة هو اهتمامها القوي بالنقد الجريء للأوضاع الاجتماعية من خلال رسومات كاريكاتورية لاذعة كنت أصوغ أفكارها بتحريض من أستاذي الكبير خالد مشبال

mrini_a.jpg

مدينتي طنجة "ذات البحرين " مدينة التناقضات الغريبة

MRINI.jpg

بعفوية مطلقة و بدون الخضوع لرقابة ذاتية سأحاول أن أحكي عن بعض المحطات التي مررت بها خلال المراحل التي اقترفت فيها عشق " الشغب الجميل " الذي وجدتني بالمصادفة أنجذب لتياره٠٠
و قبل ذلك كان لابد من هذا التقديم٠٠
منذ طفولتي و أنا أتمرغ داخل كتلة من الأحاسيس المرهفة. . و بالمصادفة وجدتني أحاول أن أسخر من بعض أفراد عائلتي و زملائي في المدرسة، فرسمت وجوههم بخطوط مبالغة. .ولأنني وجدت الإعجاب لديهم و حظيت رسوماتي بالاهتمام بدأت أرسم و بالغت في ذلك، رغم أن انطلاقتي في البداية كانت تشكيلية، وذلك بعد دراسة للمبادئ الأولية للرسم٠٠
و للإشارة فالكاريكاتير لا ينفصل عن التشكيل كفن عام، بعكس اعتقاد البعض، إذ أنه مشتق من المدرسة التعبيرية التي تعد أحد المذاهب المعروفة في الفن التشكيلي، وهي مدرسة يسمحت فيها بشيء من المبالغة نسبة لبقية الفنون و المذاهب. إلا أن فن الكاريكاتير مبالغ فيه بشكل مضاعف٠٠٠
و من هذا لابد على التأكيد إلى أن الكاريكاتير يحتاج دائما إلى ثقافة و إلى وعي متجددين ٠٠
على العموم هناك عوامل نفسية عديدة كانت وراء محاولتي للتعبير الساخر، ثم إن الوطن العربي برمته و مجتمعنا بحد ذاته يجسد لوحة كاريكاتورية لما فيه من تناقضات شتى بدءا من السلوك الفردي، و على المستوى العائلي إلى تلك التناقضات الاجتماعية أو الاقتصادية، و تلك التي تتضمنها الشعارات السياسية ، و الأمثلة كثيرة و معروفة في وطننا٠٠
ثم إن كل ما يدور حولي، سواء سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا يزودني بمقومات اللوحة الساخرة. . و لكوني نشأت في وسط اجتماعي معين، فإنني أحافظ على إلتزامي تجاه بيئتي هاته،ه و كلما أججني وضع ما شخصي أو وطني أو قومي أو إنساني أهرع إلى الريشة لتوظيف الشحنة الانفعالية لدي، رغم الحواجز التي تعيقني أحيانا عن ممارسة إبداعي و عطاءاتي و لإنطاق ما استعصي عن النطق إشهارا لموقفي و إعلانا لحريتي و لو اتهمت مع ذلك بالخروج عن القيم و التقاليد ٠٠!
و مدينتي طنجة "ذات البحرين " مدينة التناقضات الغريبة التي من خلالها تستطيع مطرقة الواقع تدق داخل رأسك لتوقظك من أحلام اليقظة !٠٠ و ببساطة يمكن القول إن الواقع المعاش في فضائها يجسد لوحات كاريكاتورية مبالغ فيها أكثر مما تستطيع الريشة أن تجسده و توقعه!
و من خلال تجربتي الخاصة عندما كنت أمد جسور صلتي بالجمهور عن طريق المعارض، اكتشفت ما لم أكن أتوقعه، إذ استنتجت أن لدينا جمهورا متتبعا و دقيقا في ملاحظاته لدرجة أن القدرة التفكيرية و التحليلية لديه قد تتجاوز في بعض الأحيان الإمكانات الفكرية لدى الرسام.  و ثبت لي أن كل ما هو مباشر و سطحي إنما هو استغباء لعقل المتلقي٠٠!


الصفحة مقروءة: 573 مرة


التعليقات